لعل المناهج التعليمية تعد ركيزة أساسية
من ركائز التعليم؛ إذ تُعنى بالمتعلمين وسلوكهم على المستوى المعرفي والمهاري
والوجداني في ظل عالم يتسم بالانفجار الهائل في جميع المجالات المعرفية، مما جعل
القائمين على تلك المناهج يحاولون جاهدين مواكبة ذلك التنامي والتسارع بتطوير جميع
جوانب العملية التعليمية من مناهج، وطرائق تدريس، وطرق تقويم.
لكن يبقى السؤال قائما: لماذا -بعد كل هذا
التطوير- لا يتقن طلابنا اللغة العربية؟
نحن أمام مفارقة واضحة، فاللغة العربية برغم
كونها تحظى بعدد كبير من الحصص داخل مدارسنا، ومناهجها غنية بالنصوص والقواعد،
وامتحاناتها دقيقة في كل تفاصيلها، إلا إننا نجد فجوة جلية بين ما يدرسه المتعلم
نظريا وما يستطيع أداءه عمليا. نعم، إنه يعرف تعريف القواعد، ويحفظ شروح النصوص،
لكننا نجده مترددا حين يُطلب منه أن يكتب فقرة مترابطة، أو يقرأ نصا جديدا قراءة
تحليلية، يعبِّر فيها عن رأيه بلغة سليمة.
هنا تتجلى الأزمة، ويظهر الخلل الحقيقي،
فنحن لا ندرِّس اللغة نفسها بمهاراتها وإنما ندرِّس عن اللغة، فيبتعد -إذن- الطلاب
عن ممارستها، وبحكم تخصصي في اللغويات العربية، وانخراطي لسنوات في متابعة أداء
طلابنا في مراحل التعليم المختلفة، لم يعد متاحا لنا تجاهل تلك الفجوة المتنامية
بين ما يُدرَّس في مقررات اللغة العربية، وما يتحقق فعليا من كفاءة لغوية لدى
المتعلمين، إن القضية لم تعد قضية ضعف فردي هنا أو هناك وإنما صارت أزمة تمسُّ
فلسفة تعليم اللغة في ذاتها.
فاللغة- تبعًا للتصورات اللسانية الحديثة-
ليست مجموعة من القواعد التي تحفظ، ولا نصوصا تُستظهر، بل نظاما مهاريا تواصليا يقوم
على الاستماع الواعي، والتحدث السليم، والقراءة التحليلية النقدية، والكتابة الوظيفية.
وفق الاستعمال والممارسة في سياقات حقيقية، بيد أن واقع التعليم اللغوي في مدارسنا
يكشف عن هيمنة نمط التلقين وإعلاء فكرة الإجابة النموذجية، مما يحوِّل التقييم إلى
اختبار للذاكرة أكثر منه قياسا للكفاءة اللغوية، وهنا تتراجع مساحة التفكير، وتُختزل
اللغة في أنماط ونماذج محفوظة.
إلغاء النصوص المتحررة ... ومفارقة
التيسير على الطلاب.
من أبرز المؤشرات التي تؤيد ذلك الاتجاه هو ما قام به مسئولو اللغة العربية
بإلغاء حضور النصوص المتحررة في مناهج اللغة العربية بالمرحلة الابتدائية
والإعدادية، والاكتفاء بالنصوص المدروسة في التقييم باعتباره نوعا من التسهيل
والتيسير على الطلاب، بيد أن أثره التربوي واللغوي في الحقيقة أعمق من ذلك بكثير،
ويستحق وقفة تحليلية جادة، فمن منظور لساني/لغوي وتربوي، تُقاس الكفاءة اللغوية
للمتعلمين بملاحظة مدى قدرتهم على التعامل مع مدخلات لغوية جديدة وفهمها في سياقات
غير مألوفة في ضوء ما تعلَّموه، فنستطيع توظيف ما اكتسبه من معارف في مواقف
تواصلية مختلفة، أما حين ينحصر التقييم في نصوص دُرست من قبل، فإن ذلك يحول
الامتحان من أداة قياس للأداء اللغوي إلى أداة لاسترجاع المعلومات، مما يحول بوصلة
التعلم لدى المتعلم -ومعلمه- من تنمية مهارات القراءة النقدية والتحليلية إلى حفظ
الدروس وشروحها بإجاباتها النموذجية.
إن النصوص المتحررة – بوصفها مدخلات
جديدة لدى المتعلمين- تمثل الأداة الأكبر والأكثر موضوعية لقياس قدرة المتعلمين
الحقيقية على الفهم والاستنباط، وعلى استغلال القاعدة في سياق جديد، وغياب هذا
النمط من التقييم اللغوي يضعف مبدأ نقل أثر التعلم؛ إذ تبقى المعرفة مقيدة بقيد
سياقها الأصلي، ولا تنتقل إلى مواقف استعمالية أشمل وأوسع، وبناء على ذلك فإن فكرة
إلغاء النصوص المتحررة لا يحقق تيسيرا حقيقيا بقدر ما يساعد على إنتاج ثقافة الحفظ
التي سعدنا بخروجنا -في الفترة القصيرة الماضية- منها، مما يضعف الهدف الأساس من تعليم
اللغة، وهو تمكين المتعلم من التعامل بكفاءة مع السياقات المتجددة، التي تستدعي
حضوره اللغوي.
إن تنمية الكفاءة اللغوية للمتعلمين يستدعي في الحقيقة منح الطالب فرصا منتظمة للتعبير الشفهي، والكتابة الإبداعية والوظيفية، والقراءة الناقدة التي تساعده على إعمال العقل واكتساب مهارات القرن الحادي والعشرين، والحوار التفاعلي، يستدعي-كذلك- أن تصبح القاعدة النحوية وسيلة لضبط الأداء اللغوي، لا غاية في ذاتها، تدرَّس في ضوء مهارات اللغة، وأخيرا تستدعي أن يقاس نجاح المتعلم بمدى قدرته على استخدام اللغة استخداما حيا لا بقدرته على استظهار ما حُفِظ.
إشكالية التلقين: لماذا لا يتقن طلابنا اللغة العربية؟ - الأهرام العربي





د.محمد إبراهيم الشافعي
ليست هناك تعليقات: